مختارات

تفصيل المقال

دماء سليماني تُزهر عزة وقوة وثورة

دماء سليماني تُزهر عزة وقوة وثورة

تتعدد أبعاد استشهاد قائد قوة القدس الشهيد قاسم سليماني، بتعدد أبعاد شخصيته والادوار الذي لعبها في ساحات محور المقاومة، من فلسطين الى لبنان فسوريا والعراق واليمن وصولا الى الجمهورية الاسلامية في ايران.

فهو القائد العسكري للمحور، والشخصية المركزية التي تجمع بين ساحاته، وهو ذراع الجمهورية الاسلامية الطويلة وخط دفاعها عن أمنها القومي. وهو القائد الذي هزم جنرالات الجيش الاميركي في العراق بعد احتلاله عام 2003، وهزم "داعش" وأخواتها من التكفيريين والارهابيين، وهو الذي كان شريكا أساسياً في كل انتصارات حزب الله، والداعم الرئيسي للمقاومة في فلسطين ـ غزة. هذا من دون الحديث عن الابعاد الاخرى في شخصيته كعابد وزاهد ومتواضع وعاشق للقاء لله، والموالي القائد.

في الاساس الحديث عن شخصية الشهيد سليماني تستوجب تناول كل هذه الابعاد والادوار... لكن بما يتلاءم مع المقام والسياق الاقليمي، سيتم تناول بعض الخطوط العامة المتصلة بحدث الاغتيال في أكثر من عنوان وسياق.

من الواضح أن خلفية اغتيال الشهيد سليماني مركبة لجهة كونه مطلبا لعدة جهات اميركية اسرائيلية سعودية، ومن متطلبات عدة مسارات اقليمية،  تقاطعت عند ضرورة تحييد قائد قوة القدس، الشهيد سليماني من الساحة الاقليمية، ليس فقط ثأراً في مقابل كل الهزائم التي تعرضت لها القوى المعادية من اقليمية ودولية، وانما ايضا في محاولة لإحداث تحول في معادلات القوة، والتأسيس لمسار اقليمي جديد.

صحيح أن أعداء الجمهورية الاسلامية والمقاومة، نجحوا في قتل سليماني، لكنهم لم يحققوا في كل ما يتعلق بالمرحلة التي تلت عملية الاغتيال، لا فيما يتعلق بايران، ولا محور المقاومة، ولا على مستوى معادلات المنطقة.

صحيح أن الجمهورية الاسلامية فقدت أبرز قائد عسكري لها، وعنوان عنفوانها وقوتها، إلا أن استشهاده شكل مناسبة لاعادة انتاج الثورة، عبر تأكيد الشعب الايراني الالتفاف حول نظامه الاسلامي. وينبغي استحضار حقيقة أن هذا الشعب خرج بعشرات الملايين للمشاركة في جنازة قائد هو عنوان سياساتها الاقليمية، وخياراتها الاستراتيجية التي تسعى الولايات المتحدة الى تحويلها الى قضايا خلافية، وعنوان انقسام الشعب الايراني. في المقابل، بدَّد استشهاد سليماني الرهانات الاميركية، وعزَّز الخطاب الثوري في الشعب الايراني، وتحول الى عامل وحدة.

بحسب الرهانات الاسرائيلية، كان يُفترض أن يؤدي استشهاد الحج قاسم الى ارباك محور المقاومة وتعثر مشاريع تعاظم قدراته النوعية. لكن الصراخ الاسرائيلي والتحذيرات المتواصلة التي يتردد صداها في هذه الايام، من حجم التحولات التي شهدتها بيئتها الاقليمية، تكشف عن حجم الخيبة من هذا الرهان. وفي هذا الاطار تتناول تقديرات معاهد الابحاث خيارات اسرائيل المستقبلية في مواجهة استمرار تطور محور المقاومة على أكثر من مستوى نوعي، في أبلغ اقرار على استمرار مشاريع بناء وتطوير القدرات التي أسسها ودفع بها الشهيد سليماني.

من المنطقي أن يفترض العدو ايضا أن ايران بعد استهداف الحج قاسم سليماني، أصبحت أكثر حذراً من أن يبادر ترامب الى خطوات مماثلة في سياق تعاظم الضغوط عليها من أجل اخضاعها، انطلاقا من مفهوم أن من يجرؤ على هذه الخطوة، يمكن أن يقدم على ما يشبهها في محطات لاحقة. وراهنت تل ابيب في ضوء ذلك على أن يؤدي هذا الاستهداف الى تقويض قدرة الردع الايرانية. لكن الذي حصل أن طهران واصلت تمسكها بثوابتها النووية والاقليمية والصاروخية.

في نفس السياق، كان اغتيال الشهيد "ابو مهدي المهندس" عملاً مدروساً بدقة، وتعمد أن يكون بالتزامن مع استهداف الحاج قاسم، لأنهم يدركون مخاطر بقائه على قيد الحياة والدور الذي سيلعبه في أعقاب تحييد الحاج قاسم. ويؤكد ذلك ايضا، على البعد العراقي الاكثر حضوراً في خلفية وسياق وتوقيت عملية الاستهداف، الى جانب السياقات والساحات الاخرى.

وبخصوص تنفيذ عملية الاستهداف على يد الجيش الأميركي، فالسبب يعود الى أن أيا من الاطراف الاقليمية، وتحديدا اسرائيل، التي كانت قادرة على استهداف الشهيد سليماني عسكرياً في الساحة السورية، غير قادر على تحمل الأثمان التي سيتلقاها في المقابل. وبدلا منهم تصدت الولايات المتحدة للقيام بالمهمة، فضلا عن أن لديها ثأرا مفتوحا مع هذا القائد الذي أذل الجيش الاميركي، وهزم مشاريعهم في المنطقة.

في كل الاحوال، تحوَّلت عملية الاغتيال الى محطة تاريخية في سياق حركة الصراع الذي تشهده المنطقة. فقد أدى استشهاده الى تزخيم الهوية الثورية للشعب الايراني ولكافة أطراف محور المقاومة، وبدد رهانات الولايات المتحدة، وتحوَّلت دماؤه الى مصدر تهديد متواصل بعدما تعهد قادة الجمهورية بالثأر من كل شخص تورط بأمر وتنفيذ عملية الاغتيال.

في هذه المناسبة، من الجدير التذكير بالصفعة الصاروخية التي وجهتها الجمهورية الاسلامية، ردا على الاستهداف العسكري المباشر، ولا يزال يتردد صداها داخل البيت الابيض، وفي عواصم القرار الاقليمي. والمؤشر الأقوى الذي يعكس تردداتها، يكفي أن نتخيل تداعيات سيناريو عدم مبادرة ايران الى رد عسكري صاروخي مباشر ضد هدف عسكري اميركي من النوع الثقيل. كيف كانت ستكون حسابات القيادات السياسية والامنية في واشنطن، لدى دراسة خياراتهم العدوانية على طاولة القرار في المراحل التي تلت استشهاده، وعشية رحيل ترامب بعد سقوطه في الانتخابات؟ وهل كانت ستؤدي رسائل التهديد الايراني وكل أطراف محور المقاومة، مفاعيلها الردعية؟ مع ذلك، لا تزال المواجهة مفتوحة، ولا تزال المعركة مستمرة، لكن المؤكد أن ما بعد سليماني سيشكل امتدادا لمرحلة ما قبل سليماني.