أمسيات

تفصيل المقال

قصيدة: من السيد نصر الله إلى الشهيد سليماني

قصيدة: من السيد نصر الله إلى الشهيد سليماني

قصيد "من السيد نصر الله إلى الشهيد سليماني" التي ألقاها الشاعر اليمني معاذ الجنيد في الأمسية الشعرية "صانعو النصر" التي أقامتها جمعية أسفار للثقافة والفنون والإعلام.

كان حُبّي لهُ بحجمِ السماءِ

وبحجمِ السماءِ كان عزائي


كُلُّ ما للإخاءِ من مُفرداتٍ

لا تفِي بعضَ ما بِنا من إخاءِ


كان لي ساعدي.. أخي.. وأنيسي

ولدي.. والدي.. أنا.. أصدقائي


كان لي مثلَ (مالكٍ) لـ(عليٍّ)

وأنا دونَ سيَّدِ الأوصياءِ


إنّما (الحاجُ قاسمٌ) يا رفاقي:

هو هذا المُقِيمُ جَوفَ رِدائي

       *   *   *

كنتُ في الأربعين حين التقينا

فتماهَى بطُورهِ سِينائي


مُذ عرفناهُ أجزمَ الكلُّ أنَّا

قد عرفناهُ قبل ذاك اللقاءِ


يومها قلتُ للشهيد (عمادٍ):

فيهِ شيءٌ يفوحُ من أقربائي!


رُبَّما كان لي صديقاً قديماً!

وافترقنا.. وعادَ بعد تناءِ؟!


روحُهُ تغمرُ القلوبَ شعوراً

ليس يُحكَى.. يُذاقُ بالإيحاءِ


بالذي فيه فاضَ كلُّ إناءٍ

ولقد فاضَ (قاسمٌ) بإنائي


قدّسَ الله سِرَّهُ.. فهو معنى

سِرِّ مكنونِ سيّدي (خامِنائي)


جاءَ و(القُدسُ) بين عينيهِ وعدٌ

وجهُهُ رُوحُ سُورةِ الإسراءِ


جاءَ من عشق (شُبَّرٍ) و(شبيرٍ)

(مَشهَدِيَّ) الصفاتِ والآلاءِ


كان يُسرَ الإله في كل عُسرٍ

كان لُطفاً بساعةِ البأساءِ


كان في النائباتِ سيفَ (عليٍّ)

كان في السِّلمِ رحمةَ (الزهراءِ)


كان صاروخنا لِمَا بعد (حيفا)

وصواريخ ما وراءَ الوراءِ


لستُ أنسى شُجونَ (تمّوز) لمّا

عادَ (إيرانَ) حاملاً أعبائي


وبسِرٍّ من (الإمامِ) أتَانا

بالبشاراتِ كاشِفاً للغِطاءِ


حَمَلَ (الجوشَنَ الصغيرَ) قميصاً

ردَّ أبصارَنا إلى الإلتِجاءِ


وأرانا انتصارَ (تمّوزَ) سبْقاً

لم يرَ النصرَ قبلنا أيُّ رائي


فسقاني كؤوسَهُ في التفاني

وارتشفنا معاً كؤوسَ الولاءِ


لو بعصرِ الرسولِ جاءَ.. لكانت

يدُهُ (ذو الفَقار) عند اللقاءِ


كان قال النبيُّ: (سلمانُ منّا)

و(سُليمان...) لِصْقُ (أهلِ الكِساءِ)

       *   *   *

لم يكُن مَحضَ قائدٍ عسكريٍ

كان مجموعةً من الأولياءِ


كان يُدعى بأعظمِ البُسطاءِ

وأُسميهِ أبسطَ العُظماءِ


فهو قُطبُ الجهاد إن دارَ دارَتْ

في الميادين حومةُ الهيجاءِ


وهو (خَامِيمْ) مُشرقاً من ثلاثٍ

(الخُميني) و(خُمّ) و(الخامِنائي)


جاء من مكتبِ الإمامِ (الخُميني)

ثورةً حيدريةَ الإنتماءِ


كان يَدعُو لنُصرةِ الضُعفاءِ

ثم يغدو استِجَابةً للدُعاءِ


هكذا الله كان مِنهُ قريباً

ومُجيباً لهُ بِهِ في سَخاءِ


كعبةً كان.. إنّما هو يسعى

ليزورَ الحَجِيجَ في الأرجاءِ


مكتبُ (الحاج قاسمٍ) كان يعني:

أن يراهُ الجميعُ دون انتِقاءِ


لا تجيئوا.. أنا سآتي إليكُمْ

باذِخاً كالرياحِ..  كالأنواءِ


حاملًا نفسهُ إلى كلِّ فردٍ

مُحنياً رأسهُ بكلِّ حياءِ


ساعياً للدفاعِ عن كلِّ شعبٍ

أينما كان.. لو بعُمقِ الفضاءِ


ذابَ في الله مُخلصاً.. فنراهُ

بيننا.. وهو في مقامِ الفناءِ


في فمِ الموت دائماً ظلَّ حتى

صرخَ الموتُ: رُدَّ لي كبريائي


صار بعضُ الرفاق يُخبرهُ: (حَجّي)

أنت تُغري الرَدَى لدى الأعداءِ!


مكتبُ (الحاج قاسمٍ) كان يعني:

يا خُطوطَ الأمام كُوني ورائي!


وهو حتى وقد تسامَى شهيداً

قال نفسَ العِبارةِ السمحاءِ:


لا تجيئوا.. أنا سآتي إليكم

وسأكفيكُمُ احتِمالَ العناءِ


زارَ كلَّ المُشيّعين مُروراً

فوق أكتافهم كنهرٍ رُخَاءِ


مُوشِكاً أن يقول: ذُرُّوا رُفاتِي

لطُيورِ (الرِضا) وطيني ومائي


مكتبُ (الحاج قاسمٍ) حدَّ علمي:

سيشُقُّ الضريحَ ذاتَ مساءِ


ليزورَ الرفاقَ في كلِّ ساحٍ

:لا تجيئوا.. تجيئُكُمْ أشلائي!!

       *   *   *

أعلنوا قتلهُم لهُ وتباهَوا

بارتكابِ الجريمةِ الشنعاءِ


مثلَ قولِ اليهودِ: ((إِنَّا قَتَلنَا

المَسِيحَ)) ابنَ مَريَمَ العذراءِ


حاضراً كنتُ أفتديهِ بروحي

ومعي يفتدونَهُ أبنائي


أفتدي أهلَهُ.. الملايين أعني

كلَّ حُرٍّ بهذهِ البطحاءِ


كان يخشى عليَّ.. أخشى عليهِ

وكِلانا يتوقُ للإرتقاءِ


كان لا بُدَّ أن يكون شهيداً

بعدما فاقَ نفسَهُ في العطاءِ

      *   *   *

قدَّسَ الله سِرَّهُ وسُرَاهُ

شطرَ (بغداد) في طريق الإباءِ


زارَنا قبلها على غيرِ وعدٍ

رُبَّما أدرَكَ الرحيلَ الفُجائي


هَطَلَ الأربعاءَ عصراً علينا

كهُطولِ الندى على الأضواءِ


مُشرقاً.. ضاحكاً.. بهيّاً.. بشوشاً

ونقيَّاً بكُلِّ معنى النقاءِ


كان قد شَاهَدَ المقامَ.. ولكن

لم نكُن مُدرِكينَ ما في الخَفاءِ


مَغرِبَ الأربعاءِ صلّى بقُربي

يا رعى الله مَغرِبَ الأربعاءِ


ليتنا من صلاتنا ما انتهينا

ليتهُ كان فرضَنا اللا نهائي


عُمريَ الآن بعد ستين عاماً

لم يعُد غيرَ مغرِبٍ وعشاءِ


لم يزل في عيوننا يتوضَّا

من دموعي.. وضاحكاً من بكائي


مَدَّ سُجّادةَ الصلاةِ بقلبي

راكعاً ساجداً على أنحائي


لـ(أبي مهدي المهندس) ولَّى

ورفاقِ الجهادِ أهلِ الفداءِ


بَلَغَ الكُلُّ ذروةَ الشوقِ منهم

للعطاءِ المُقدَّسِ الكربلائي


فأقلَّتهُمُ الصواريخُ حبّاً

واشتياقاً لـِ(سيِّدِ الشهداءِ)


أقلعوا من مطار (بغداد) ليلاً
هبطوا في مَصافِّ أهلِ الصفاءِ


سَحَرَ الجُمعة ارتقوا ليُصلُّوا

فجرها خلفَ خاتمِ الأنبياءِ


سجدوا سجدةَ الوصول وكانوا

لا يزالون في نزيفِ الوفاءِ


النبيْ شمسُهُم.. وهُم خلف (طه)

شَفَقٌ طافِحٌ بفيضِ الدماءِ


كان صَفَّاً من العقيقِ أضاءتْ

منهُ دارُ المُقامةِ العلياءِ


فرؤوسٌ ذبيحةٌ تتدلّى

راكعاتٍ.. أكُفُّها في الهواءِ


ورِقابٌ لوحدها ساجداتٍ

وصُدورٌ يتيمةُ الأعضاءِ


سبّحوا الله.. والحناجِرُ دُرٌّ

تتهَاوَى من النُحُورِ الظِّماءِ


فَرَغوا من صلاةِ عشقٍ عظيمٍ

وارتقوا للخلودِ في الأحياءِ


بلغوا كلَّ ما اشتهوا من نعيمٍ

((جنةٍ عَرضُها كَعَرضِ  السماءِ))


كان تشييعُهم على الأرضِ يحكي

بعضَ ما في السما من الاحتفاءِ


كانت الأرضُ كلُّها في عزاءٍ

وأنا كلُّ ما بِها من عزاءِ